الشيخ السبحاني

465

مفاهيم القرآن

هذه السورة إلى العطاء الدائم ، بقوله : « فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُون » . وعلى ذلك يكون المراد من أسفل سافلين هو تردّي الإنسان إلى الشقوة والخسران . « 1 » وأمّا وجه الصلة فلو قلنا بأنّ المراد من التين الجبل الذي عليه دمشق ، وبالزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس وهما مبعثا جمّ غفير من الأنبياء ، فالصلة واضحة ، لأن‌ّهذه الأراضي أراضي الوحي والنبوة فقد أوحى اللَّه سبحانه إلى أنبيائه في هذه الأمكنة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى أحسن تقويم ، ويصدهم عن التردي إلى أسفل سافلين . وبعبارة أُخرى : إنّ هذه الأماكن مبعث الأنبياء ومهبط الوحي ، فهؤلاء بفضل الوحي يهدون المجتمع الإنساني إلى الرقي والسعادة التي يعبر عنها القرآن بأحسن تقويم ، ويحذرونه من الانحطاط والسقوط في الهاوية التي يعبر عنها سبحانه ب « أَسْفَلَ سافِلين » . إنّما الكلام فيما إذا كان المراد من التين والزيتون ، الفاكهتان المعروفتان اللتين أقسم اللَّه بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة ، فعندئذٍلاتخلو الصلة من غموض ، فليتدبر . ولا يخفى انّ كل‌ّالمخلوقات ، من حيوان ونبات توحي بالجلال والاحترام لها وبالجمال وكمال الخلق ، وهي تبدو مبرمجة أو مخلوقة هكذا لا تحيد عن ذلك ، فهل رأيت طيراً لا يبني عشه أو لا يُطعمُ فراخه ؟ أم رأيت حيواناً لم يهبه اللَّه الذكاء والمقدرة على تحصيل رزقه ، أو الدفاع عن نفسه ؟ حقاً ان‌ّهذه المخلوقات لا تعرف الهزل ، فهي جدّيّة ولكن في وداعة ، غريبة ولكن في جمال ، وبسيطة ولكن في جلال

--> ( 1 ) الميزان : 20 / 319 - 320 .